يشهد العالم المعاصر تحولات عميقة ومتسارعة مست
مختلف البنى الاجتماعية، والثقافية، وأعادت تشكيل منظومة القيم التي تؤطر سلوك الأفراد
والجماعات؛ وهذا التغيير أفرزته العولمة بأثافيها الثلاثة: التطور التكنولوجي، والتغيرات
الاقتصادية، والهيمنة الثقافية.
هذه التحولات ولدت لنا أنماطا جديدة من التمثلات
والممارسات، مما جعل سؤال القيم يحتل موقعا مركزيا في النقاشات الفكرية والتربوية الراهنة.
وفي خضم هذه التحولات، برزت إشكالات متعددة ترتبط
بطبيعة النسق القيمي السائد، وحدود استقراره، وقدرته على تأطير سلوك الأفراد داخل المجتمع،
خاصة في ظل تنامي النزعات الفردانية، وتراجع بعض القيم الجماعية التقليدية التي كانت
تؤسس للتماسك الاجتماعي؛ الأمر الذي أفضى إلى بروز اختلالات على مستوى السلوك الاجتماعي
عموما، والسلوك داخل المؤسسة التعليمية على وجه الخصوص.
وتعد المدرسة من أبرز الفضاءات التي تندس إليها
هذه التحولات؛ باعتبارها مؤسسة اجتماعية تضطلع بوظيفة التنشئة وإعادة إنتاج القيم،
غير أنها لم تعد الفاعل الوحيد في هذا المجال، في ظل تنامي تأثير الوسائط الرقمية ووسائل
التواصل الاجتماعي، التي أضحت تسهم بشكل كبير في تشكيل وعي المتعلمين وتوجيه سلوكاتهم.
وقد انعكس هذا الوضع على طبيعة العلاقات داخل
الفضاء المدرسي، حيث برزت أنماط سلوكية جديدة تعكس تحولات عميقة في تمثلات المتعلمين
للقيم المرتبطة بالانضباط، والاحترام والمسؤولية، مما يطرح تحديات متزايدة أمام الفاعلين
التربويين، ويدعو إلى إعادة النظر في الأدوار التربوية للمدرسة وآليات اشتغالها.
وعليه، جاءت هذه الندوة الدولية
الموسومة بـ: "التحولات القيمية المجتمعية وانعكاساتها على السلوك داخل المدرسة"
ضمن الجهود العلمية الرامية إلى تفكيك الأسباب الفاعلة في التغيير، من خلال مقاربات
متعددة التخصصات تستحضر الأبعاد السوسيولوجية، والتربوية، والنفسية، قصد فهم طبيعة
التحولات القيمية، ورصد مظاهرها، وتحليل انعكاساتها على السلوك المدرسي، واستشراف سبل
التدخل الكفيلة بإعادة التوازن إلى النسق القيمي داخل المؤسسة التعليمية.
ويأتي نشر أعمال هذه الندوة في مجلة المنتقى للدراسات والأبحاث وإحياء التراث تأكيدا لأهمية هذا الموضوع وراهنيته، وسعيا إلى الإسهام في إغناء النقاش العلمي حول قضايا القيم والتربية، من خلال دراسات تجمع بين التحليل النظري، والاستقصاء الميداني، وتقدم تصورات ومقترحات عملية لتجويد الممارسة التربوية، بما ينسجم مع التحولات المجتمعية الراهنة، ويسهم في بناء شخصية متعلم متوازن، وقادر على التفاعل الإيجابي مع محيطه.



